محمد كرد علي
96
خطط الشام
عصورهم ، ومنهم أبو المجد بن أبي الحكم من الحكماء المشهورين من أهل القرن السادس ، كان يعرف الموسيقى ويلعب بالعود ، ويجيد الإيقاع والغناء والزمر وسائر الآلات ، عمل أرغنا وبالغ في إتقانه « 1 » وحاول أيضا عمل الأرغن واللعب به أبو زكريا يحيى البياسي من أطباء الناصر صلاح الدين . وكان من البارعين في هذا الفن من العلماء قسطا بن لوقا البعلبكي وعبد المؤمن بن فاخر ونجم الدين بن المنفاخ المعروف بابن العالمة وفخر الدين الساعاتي . وكان رشيد الدين بن خليفة أعرف أهل زمانه بالموسيقى واللعب بالعود ، وأطيبهم صوتا ونغمة حتى إنه شوهد من تأثير الأنفس عند سماعه مثل ما يحكى عن أبي نصر الفارابي ، فكثر إعجاب المعظم به جدا وحظي عنده . ومنهم علم الدين قيصر أخذ الموسيقى عن الفيلسوف كمال الدين بن يونس في الموصل . وكان أحمد بن صدقة طنبوريا مقدما حاذقا حسن الغناء ومحكم الصنعة ، وكان ينزل في الشام فاستدعاه المتوكل إلى بغداد وأجزل صلته . وكان خلفاء بني العباس كلما سمعوا بنابغة في هذا الفن حملوه من القاصية وأغدقوا عليه الهبات ذكرا كان أم أنثى ، ولهم في ذلك نوادر إن لم تصحّ كلها ففي بعضها إشارة إلى ما كانوا فيه من حب هذا الفنّ . ومنهم الجمال البستي كان يلعب بالجغانة ( الأصل الصغانة وهي القيثارة ) ولي خطابة جامع التوبة بدمشق على عهد الملك الأشرف ، فلما توفي تولى موضعه العماد الواسطي الواعظ وكان يتهم باستعمال الشراب ، وصاحب دمشق يومئذ الصالح عماد الدين إسماعيل . فكتب إليه عبد الرحيم المعروف بابن زويتينية الرحبي أبياتا ، يعرّض بها بالرجلين ويرجو أن يعاد جامع التوبة إلى ما كان عليه محله من قبل ، وهو خان للفسق والفجور ، لأن حظه حتى بعد أن صار جامعا أن يتولاه موسيقار ، وشرّيب عقار ، فقال :
--> ( 1 ) الأرغانون آلة لليونانيين والروم تعمل من ثلاثة زقاق كبار من جلود الجواميس يضم بعضها إلى بعض ، ويركب على رأس الزق الأوسط زق كبير ثم يركب على هذا الزق أنابيب صفر لها قصب على نسب معلومة ، يخرج منها أصوات طبيعية مطربة مشجية على ما يريد المستعمل ( الخوارزمي ) .